السبت، 22 مارس، 2014

ربح صهيب


بقلم: الأستاذ عبد الكريم زيدان
من مجلة الأخوة الإسلامية – العدد الثامن – السنة الثانية – 20 شعبان 1373هـ – 13 نيسان 1954
صهيب رجل رومي كان في مكة المكرمة يوم بعث الله محمداً رسولاً للعالمين وقد كان من حسن حظ صهيب أن يكون في مكة في ذلك الحين ليشرف على قلبه نور الإيمان فيجذبه إلى الإسلام فيدخل في دين الله راضياً مختاراً ويقول لا إله إلا الله محمد رسول… ولم يكن الدخول في الإسلام بالشيء اليسير الهين فقد كان المشركون يبالغون في إيذاء المؤمنين ومع هذا فلم يمنع هذا الأذى المؤمنين الأولين من الإسلام لأن بشاشة الإيمان إذا خالطت القلوب هان عليها ما تلقى في جنب الله، ثم مرت الأيام والرسول صلى الله عليه وسلم يدعو قومه ليلاً ونهاراً سراً وجهاراً ولكن عيونهم الكليلة لم تبصر نور الحق، وقلوبهم الخشنة القاسية لم تتسرب معاني الإيمان فلجوا في غوايتهم وعداوتهم الحمقاء للرسول الأمين صلى الله عليه وسلم.. ثم أذن الله لرسوله وصحبه بالهجرة إلى المدينة فوقف المشركون يمنعون المؤمنين من الهجرة وكان ممن أرادوا منعه: صهيب الرومي، جاءوا إليه وقالوا: جئتنا فقيراً صعلوكاً فصرت عندنا ذا مال فلن ندعك تخرج أنت ومالك أبداً، فقال صهيب أرأيتم لو تركت لكم مالي أتدعوني أخرج؟ قالوا نعم، فخرج مهاجراً وترك أمواله لهم، وبلغ ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: ربح صهيب ربح صهيب!!

أي ربح هذا الذي ناله صهيب وقد ترك ماله وجاء إلى المدينة فقيراً معدماً؟
وهل يحسب فقد الأموال في سبيل الإيمان ربح يغبط عليه الإنسان؟
أما في لغة الرسول صلى الله عليه وسلم فنعم، فهو ربح حقيقة لا مجازاً لأن فيه صيانة للإيمان وحفظاً للعقيدة وزيادة في الحسنات.. وأما في لغة البعيدين عن الإسلام فهو خسارة لا ربح. لأنهم يفكرون تفكير الصيارفة وعباد المال فالربح عندهم زيادة في المال وإن كان على حساب الإيمان، وما أكثر هذا الصنف من الناس في عصرنا الحاضر المتقدم ولكن نحو الأسفل، المتفوق ولكن في عبادة المادة.
ولا بأس عند هؤلاء – بناء على هذا الفهم الحسابي المادي – أن يبيع المرء قنطاراً منم إيمان بذرة من ذهب وإن كان المؤمن لا يبيع ذرة من إيمان بقنطار من ذهب.
لقد فهم المسلمون الأولون لغة الرسول صلى الله عليه وسلم وفهموا مدلول الكلمات وقيم الأشياء فلم تخدعهم المظاهر ولم تغرهم الدنيا، أما الناس اليوم فقد سطوا على الألفاظ وانتزعوا منها معانيها الحقة ومدلولاتها الصحيحة وحشوها بما يشتهون من معنى هزيل ومدلول ضيق ومفهوم باطل حتى غذت هذه الألفاظ كغمدة السيف ولكن ليس فيه إلا قطعة من خشب.


ثم أداروا هذه الكلمات على ألسنتهم واستعملوها في أحاديثهم وكتابتهم حتى استقرت معانيها المزورة في النفوس، فكلمة المفلح، والفوز والخاسر، والأعلى، والسعيد، وذو الحظ العظيم.. الخ كلمات لها معانيها الحقة في لغة القرآن وفي لغة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما لها معانيها الباطلة في لغة الناس، فالفائز عندهم من نال عرضاً من أعراض الدنيا ولو كان عن طريق النفاق والخيانة وممالئة أعداء الله، وما كان “الفائز” في لغة القرآن إلا من وصفهم الله (الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون).
وصاحب الحظ العظيم عند الناس من ملك مثل مال قارون وإن كانت نفسه تنضح شراً وكفراً وفسوقاً وضلالا، وهذا فهم قديم “للحظ العظيم” عرفه الضالون من قوم قارون وأنبأنا الله به، قال تعالى: (فخرج على قومه في زينته قال الذين يريدون الحياة الدنيا يا ليت لنا مثل ما أوتي قارون إنه لذو حظ عظيم)، أما ذو الحظ العظيم حقيقة في لغة القرآن فهو الذي قال الله فيه: (ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم).
والخاسرون في لغة القرآن هم الذين (استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان هم الخاسرون)، فهم خاسرون وإن كانوا كثرة وعندهم المال الوفير والجاه العريض وحسبهم الناس من المفلحين، فكل ذلك إلى حين والعاقبة للمتقين.
“والأعلون” هم المؤمنون حقاً (ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)، فلن يكون – كما يظن الناس – من الأعلين من تجرد من الإيمان ولو وصل إلى أعلى المناصب والرتب فالكلب يبقى كلباً ولو صعد إلى سطح الدار أو وقف على قمة جبل.
وأفضل الناس في لغة القرآن من آمن وعمل الصالحات ولو عده الناس صعلوكاً (إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات هم خير البرية).
فلن يجوز أن يعد فاقد الإيمان والعمل الصالح من أفاضل الناس ولو ملك الدنيا وجمل نفسه بأحسن الثياب فالحمار لا ينقلب فرس سباق ولو حملته ذهباً ووضعت عليه شفاً من حرير أو ديباج.
وبعد، فالكلام يطول إذا ذهبنا في استقصاء معاني الألفاظ في نظر الإسلام وما أصابها من تزوير وتحريف وفيما ذكرنا كفاية، وقد آن للمسلمين أن يتعلموا لغة القرآن ولغة الرسول صلى الله عليه وسلم ويتفهموا المعاني الحقة للألفاظ كما جاء بها الإسلام لتصح عقولهم وتستقيم موازينهم فلا يخطؤون في حكم ولا يضلون في قياس ولا تغيب عنهم حقائق الأشياء وراء المظاهر والأصباغ..

ليست هناك تعليقات: